محمد بن علي الشوكاني

5815

الفتح الرباني من فتاوى الإمام الشوكاني

لتلك العلة المذكورة في كتب الحديث عند البعثة ، وكذلك ما وقع منه - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلَّمَ - من النهي عن تفضيله على يونس بن متى ( 1 ) ، فقد اختلف أهل العلم في تأويله ، وكيفية الجمع بينه وبين حديث : " أنا سيد ولد آدم " فمنهم من جعل ذلك من باب التواضع ( 2 ) ، وله مدخل في مثل هذا بخلاف ما قدمنا ، ومنهم من جزم بأنه قال ذلك قبل أن يعلم أنه سيد الكل ، وصاحب الرئاسة الدينية على الجميع ( 3 ) ، ومنهم من

--> ( 1 ) يشير إلى الحديث الذي أخرجه البخاري في صحيحه رقم ( 3416 ) ومسلم رقم ( 2376 ) عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لا ينبغي لعبد أن يقول : أنا خير من يونس بن متى " . ( 2 ) قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 229 ) : قال بعض العلماء : إنما قال ذلك النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على جهة التواضع ، والأدب مع الأنبياء وهذا فيه بعد ، لأن السبب الذي خرج عليه هذا النهي يقتضي خلاف ذلك ، فإنه إنما قال ذلك ردعاً وزجراً للذي فضل . ألا ترى أنه قد غضب عليه حتى أحمر وجهه - يشير إلى ما أخرجه البخاري رقم ( 3414 ) ومسلم رقم ( 159 / 2373 ) - وفيه " . . . فغضب رسول الله - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - حتى عرف الغضب في وجهه . ثم قال : لا تفضلوا بين أنبياء الله . . " - ونهى عن ذلك فدل على أن التفضيل يحرم . ولو كان من باب الأدب والتواضع لما صدر منه ذلك . ( 3 ) انظر " فتح الباري " ( 6 / 452 ) . قال القرطبي في " المفهم " ( 6 / 230 ) : يحمل الحديث على ظاهره من منع إطلاق لفظ التفضيل بين الأنبياء ، فلا يجوز في المعين فيهم . ولا غيرهم ، ولا يقال : فلان النبي أفضل من الأنبياء كلهم ، ولا خير من فلان ، ولا خير من فلان كما هو ظاهر هذا النهي . لما ذكر من توهم النقص في المفضول وإن كان غير معين ، ولأن النبوة خصلة واحدة لا تفاضل فيها . . . وإنما تفاضلوا فيما بينهم بما خص به بعضهم دون بعض ، فإن منهم من اتخذه الله خليلاً ، ومنهم من اتخذه حبيباً . ومنهم أولو العزم ، ومنهم من كلم الله على ما هو المعروف من أحوالهم ، وقد قال تعالى : ( تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ ) [ البقرة : 243 ] ، فإن قيل : إذا كانوا متفاضلين في أنفسهم فكيف ينهى عن التفضيل ؟ وكيف لا يقول من هو في درجة عليا : أنا خير من فلان ، لمن هو دونه على جهة الإخبار عن المعنى الصحيح ؟ فالجواب : أن مقتضى هذا الحديث المنع من إطلاق ذلك اللفظ لا المنع من اعتقاد معناه أدباً مع يونس ، وتحذيراً من أن يفهم في يونس نقص من إطلاق ذلك اللفظ .